الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

115

نفحات الولاية

تشبه إلى حد كبير بعضها البعض فقال « وما عليها من ثمر شجرة ، أو ساقط ورقة ، أو قرارة نطفة ، أو نقاعة « 1 » دم ومضغة ، أو ناشئة خلق وسلالة » . ويشير الإمام عليه السلام في آخر الخطبة إلى نقطة مهمّة أخرى وهى أنّ تلك الأمور بتلك السعة والشمولية التي أشار إليها الإمام عليه السلام ما يجعل التبادر إلى الذهن صعوبة حسابها والإحاطة بها ، بعبارة أخرى قد يقتدح في الأذهان هذا السؤال : هل علم اللَّه سبحانه تعالى بهذه الأمور لا يوجد من مشكلة لذاته المطهرة ؟ فالإنسان يصاب بالتعب والأعياء من جراء احاطته بقسم غاية في الصغر بالنسبة لحوادث هذا العالم وأسراره إلّاأنّ الإمام عليه السلام يعلن بكل صراحة أن ليس هناك أدنى مشقة على اللَّه بهذا الشأن ( ليس فقط من ناحية العلم والإحاطة بها بل ) في حفظ ما أبدع من مخلوقات ، كما ليس هنالك من ملل أو فتور عرض له سبحانه في انفاذ أمره وتدبير شؤون خلقه : « لم يلحقه في ذلك كلفة ، ولا اعترضته في حفظ ما ابتدع من خلقه عارضة ، ولا اعتورته « 2 » في تنفيذ الأمور وتدابير المخلوقين ملالة ولا فترة » ، بل نفذ فيها علمه وأحصاها عددا بقدرته وضمها جميعا تحت لواء عدالته ، كما عم المقصرين منهم بفضله وعفوه ولطفه : « بل نفذهم علمه ، وأحصاهم عدده ، ووسعهم عدله ، وغمرهم فضله ، مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله » ، فقد أكد الإمام عليه السلام بهذه العبارات على عدّة أمور : الأول : أنّ إحاطة للَّه‌سبحانه العلمية بجزئيات جميع عالم الوجود لاتنطوي على أية مشكلة بالنسبة له ( وذلك لأنّ علم اللَّه علم حضوري وليس علم حصولي ، كما سيأتي شرح ذلك في البحث القادم ) . الثاني : إضافة إلى الإحاطة العلمية فهو حافظها جميعاً ؛ الأمر الارفع من العلم ؛ وهذا أيضاً لايسبب أية مشكلة لذاته المطلقة سبحانه ( لأنّ الكل متوقف على وجوده سبحانه ) . الثالث : إضافة إلى العلم والحفظ فهو مدبرها وهاديها إلى السمو والكمال ؛ الأمر الذي لاينطوي على أي ملل أو فتور لذاته المطلقة ، وبعيداً عن معرفة الخلائق وأدائها للشكر ، فانّ فضله ولطفه شامل للجميع عدله فيهم نافذ شامل ، نعم فعلمه ليس بمحدود وقدرته مطلقة لامتناهية وفضله مطلق شامل ، ولايرتجى منه سوى ذلك .

--> ( 1 ) « نقاعة » من مادة « نقع » على وزن نفع جمع الماء و « نقاعة دم » الحفرة التي يجمع فيها الدم ، وهى هنا 2 إشارة إلى رحم ( الام ) وقال البعض أريد بها هنا العلقة . ( 2 ) اعتورت من مادة اعتوار تداولته وتناولته .